الجمعة، 2 نوفمبر 2012

"كريماتوريوم سوناتا لأشباح القدس" رواية لـــ"واسيني الأعرج"

"كريماتوريوم سوناتا لأشباح القدس" رواية لـــ"واسيني الأعرج
   ... "مي" فنانة فلسطينية غادرت القدس في سنة 1948 في ظرف قاهر بهوية مزيفة ..تقيم في أمريكا وتصبح شخصية مرموقة في الوسط الفني الأمريكي ، عندما ينتابها الموت تفكرفي العودة إلى أرضها الأولى و لكن : هل يمكن للإنسان أن يعود إلى المكان نفسه بعد أكثر من نصف قرن من الغياب ؟
 مأساة امرأة فلسطينية من أصول بربرية أندلسية فقدت أرضها.
وبينما هي على فراش الموت بمستشفى نيويورك المركزي عام 1999، تقرر "مي" الاتصال بمؤسسة إليس أيلند لمصاحبة الموتى إلى راحتهم الأخيرة، لتمنح جسدها للمحرقة، بحيث يوضع الإنسان في "كريماتوريوم" يعمل على درجة ثمانيمئة وخمسين درجة مئوية، ولا يبقى من جسده إلا العظام. وتدرك مي جيدا أن "أكبر محرقة يعيشها المرء هي أن تسرق منه أرضه ويرمى على حواف المبهم. الناس لا يدرون أننا لا نعود إلى أرضنا الأولى لنموت فيها فقط، ولكن لنعيش جزءا جميلا في الهواء نستقبل النسائم التي تأتي من وراء البحر الميت".
كما اتخذت مي قرارا ثانيا، وهو الشروع في كتابة يومياتها، بكل الصدق الذي يملأها، لتنسى الموت بشهوة الكتابة. وبالكتابة "ربما استطعتُ أن أتخلص من بعض أنيني العميق، إن أسعفني الموت الذي يترصدني باشتهاء. الكتابة تفتح كل الجراحات المغلقة وتدفع بعواصف الدم الجارف نحو الخروج للمرة الأخيرة".

  اليوم أشياء كثيرة تغيرت ..الدنيا نفسها صارت شيء آخر...وكما يبدو فالحلم لم يتحقق 
كان لدى "مي " ابن و الذي "لم ير القدس إلا ثلاث مرات في حياته" 
قال في الثالثة : " عندما خرجت في ذلك الصباح الباكر باتجاه مطار (ج -ف-كينيدي ) وسافرت نحو(أورشليم) ، أرض لم أعرفها من قبل ولم تعرفني ، إلا من خلال روايات جدي وأمي ..وأنا محمل بثلاث جرات رخامية صغيرة مليئة برماد أمي (مي) المعجون بنوار البنفسج البري كما اشتهت ، وسيل من الوصايا المكتوبة ...لم أضيع أي لحظة ..بعثرت محتويات الجرة الأولى في نهر الأردن و قرأت الوصية بصوت عال كما وعدتها ....و الجزء المتبقي من محتويات الجرة زرعته في طريق قادني نحوه مرافقي (الشيخ الطاعن في السن ) الذي كان يعرف القدس القديمة زاوية زاوية ،حارة حارة ، عائلة عائلة ...
  كنت أبعثر رماد أمي المعجون بنوار النرجس البري كمن " يزرع حقلا ميتا بسماد الروح" من حي المغاربة الذي أصبح امتدادا للحي اليهودي حتى مقام سيدي (بومدين لمغيث ) ......أوقفني عسكري إسرائيلي وسيم مدجج بالأسلحة ،عند حائط البراق و قال لي : " ماذا تفعل ؟"    قلت : " أخط طريق أمي حتى حائط البراق و مقام جدها الأول".
  ابتسم -لا بد أن يكون قد ظنني مجنونا - ثم قال : " أنت في مواجهة حائط المبكى ولا يوجد في عمقه -كما ترى - أي مقام " 
  ثم سألني: " من أين ؟ " .....
أخرجت جوازي وقدمته له ...هز رأسه و قال  بابتسامة عريضة -بلدت قليلا من محياه الجميل - : "أميركان ( AMERICAN) ..WELCOM WELCOM .
أعاد لي الجواز ثم التفت إلى شأنه يحرس المصلين و يلعب بحزام سلاحه ....
وصلت مقام جدي الذي لم يعد اليوم له أي أثر و قرأت فاتحة الغياب عليه كما سلمتها لي أمي وهي تلح على وقوفي باستقامة عندما أواجه جدي الأندلسي ..
 وبعد يومين من الدوران و مساعدة الدليل ، وجدت قبر عائلة "أمي " التي كان الشيخ يعرف البعض منها ...قبر جدتي الذي دون إشارة خاصة سوى ما خط على حجرة قديمة بالطباشير ( إنا لله و إنا إلية راجعون..هنا تنام المخلصة لربها و أهلها ميرا بنت الحاج سليمان المغربي) 
  كنت سعيدا أنني عثرت عليه لأن الكثير من المقابر أزيحت ...وكنت محتارا أتساءل : "كيف استمرت هذه الكتابة الهشة بالطباشير كل هذا الزمن ؟ "
فقال الشيخ : " هل تعلم يا بني ..أن حارس المقبرة لا يفعل شيئا آخر غير هذا (منذ أكثر من نصف قرن) لا يعمل إلا على إعادة الكتابات      كلما سقطت سيول المطر أو هبت رياح عاتية وانمحت العلامات عبر القبور القديمة  ..كل هذا كي لا تموت أبدا "  
   قال واسيني عن هذه الرواية المليئة بالرموز: "إن الفكرة الجوهرية في مثل هذه الرموز أن إسرائيل وظفت الجانب الرمزي لبنائها، لأنه أكثر نفوذا وقوة من الأسلحة وقد تفطنت إسرائيل لذلك واشتغلت عليه حيث رفضت دفن الرئيس ياسر عرفات وإدوارد سعيد لأنها تدرك أن وجود القبر له دلالة رمزية تتحول إلى حقيقة رمزية لاحقا وبالتالي رسالتها تقول إنه يمكن أن نقاومهم برمز آخر هو رمادنا الذي سيتغذى منه التراب والماء".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق