حدث في أوربا في النصف الثاني من القرن 19 أن قامت "ثورة علمية " تنويرية نقلت المجتمعات الغربية إلى آفاق حديثة بثمارها المتمثلة في الكشوفات و المخترعات المذهلة ..منها (السيارة ، الكهرباء، القاطرة البخارية ، والمصباح الكهربائي الذي لقب مخترعه "توماس أديسون" بالرجل الذي صنع المستقبل ..والهاتف و التلغراف و الفنوغراف ..الدراجة النارية ) وما إلى ذلك من المخترعات التي غيرت وجه الحياة في القارة إلى التفكير العلمي الذي أرساه الإغريق لتنتهي بذلك الخرافة و الإحتكام إلى المقاصل الكنسية عوضا عن مواجهة الواقع .. ؟
لقد رانت الحسرة و الإنبهار على قلوب النخب الإسلامية المذهولة بمدى التقدم الحضاري العلمي و الإجتماعي الذي حققته أوربا و الهوة السحيقة التي تفصل بينها وبين مجتمعاتنا المتردية في قاع التخلف و الجهالة ..، حتى أن المصريين ظنوا أن أعمال الكيمياء التى قام بها الفرنسيون المرافقون ل"حملة نابليون " (1798-1801) هي ضرب من ضروب السحر ...ولعل كتاب "تخليص الإبريز في تاريخ باريز" لرفاعة الطهطاوي جاء ليفتح العيون أكثر على عمق الهوة الفاصلة وهو كتاب ألفه كشاهد عيان بعد عودته من فرنسا سنة 1826 كمرجعية دينية لـــ 40 طالبا أرسلهم محمد علي باشا لدراسة العلوم الحديثة .. فقد كان رفاعة الطهطاوى يشيد بما يعجبة وينتقد مالايعجبه ويعقد المقارنات بين أحوال فرنساوأحوال مصر التي ينبغى إصلاحها ..(أنظر ويكيبيديا ) ..
و بدلا من مواجهة الواقع و تشخيص الداء و البحث عن الدواء ، لجأت النخب الإسلامية إلى تعزية نفسها بطريقتين :
-الأولى :
الزعم بأن الفضل يعود إلى الإسلام و المسلمين في ما وصلت إليه أوربا من رفعة حضارية ، وهذا قد ورد كثيرا في كتابات كل من "الكواكبي" (1854-1902) و"محمد عبده"(1849-1905) ....و حسب ظنهم أن ما من شيء في حضارة أوربا إلا ونقلوه عن المسلمين ، حتى رصف الشوارع بالبلاط ؟
فيقول "محمد عبده" في كتاب "إقتباس أوربا من مدينة الإسلام " : "..شرع ملوك فرنسا في فرش شوارع باريس بالبلاط على الأسلوب الذي وجدوه في مدينة قرطبة " ..و هذا الزعم مبالغ فيه بدليل أن (الرومان) و قبل حتى ظهور الإسلام جاؤوا إلى إفريقيا في ما يسمى بـــ (حملة قيصر على شمال إفريقيا) و قاموا ببناء و تشييد ما نعجز عنه اليوم ، و بدلا عن فرش بعض الشوارع بالبلاط فقد برعوا حتى في إقامة طرق طوييييييلة و التي بلغت حتى من "تبسة " إلى "خنشلة" و بالضبط "باغاي" فيما يعرف بــ (خــط الليمس ) كما أن النهضة أول ما انطلقت كانت في شمال إيطاليا في القرن 14 م.
وهكذا تمتلأ بعض الكتابات بالتعميم و عدم الدقة ...لتدخل المسلمين في دوامة تصديق كذبة من وضعهم ؟
إن الحضارة تختلف عن الثقافة ...فالحضارة تعني كل وسائل الحياة المادية على الإجمال و الملموسة كــ ( وسائل الإنتاج و الأدوات المنزلية ، الملبوسات ، و سائل المواصلات و الطرق ) بينما الثقافة هي : منتوج فكري و مجموعة قيم عقائدية إجتماعية تنعكس على المجتمع لتغير من سلوكياته ورؤيته لنفسه ، و هنا يكمن الفرق ...وكلاهما كان بعيد عنا بدليل : أن البيئة الإسلامية القديمة كانت معادية للعلوم العقلية ، حتى أصبحت الفلسفة مثلا تدرس في الخفاء ...ومما قيل شعرا في تسفيه العلوم العقلية :
فارقت علم الشافعي و مالك ........و شرعت في الإسلام رأي دقلس
و يقول "ابن جبير" : لقد ظهرت في عصرنا فرقة ......ظهورها شؤم على العصر
لا تقــتدي في الــدين إلا بمـــا......سن ابن سينا و أبو النصر
ويقصد هنا "الفارابي " ؟ وكتابات أخرى مثل كتاب المتصوف "عمر السهروردي" ..( كشف القبائح اليونانية و رشف النصائح الإيمانية ) وكتاب الرازي (الموقف من علم الفلك ) ، ولعل قاصمة الظهر للعلوم العقلية و مستقبلها في المجتمع الإسلامي هي مؤلفات "أبي حامد الغزالي" (تهافت الفلاسفة)..(فاتحة العلوم ) ..(أيها الولد) ..ثم (إحياء علوم الدين) ؟ فيقول في كتاب (أيها الولد) : " ...أي شيء حاصل لك من تحصيل علم الخلاف و الطب والدواوين و الأشعار و النجوم و العروض و النحو و التصريف غير تضييع العمر بخلاف ذي الجلال " ...فحسب تصورهم فالعلوم هذه تبعد عن الدين و تأخذ إلى جهنم ..
بعد وفاة الغزالي ،جاء "ابن رشد" 1216 و الذي مات بعد أن عانى من النفي و الإضطهاد و حرق كتبه ...و حصل هذا أيضا في كثير من المناسبات ..ففي الأندلس أمر "المنصور بن أبي عامر" حاجب الخليفة " المؤيد بالله " و الحاكم الفعلي بإحراق جميع كنب علم الأوائل ....
و هذا يدحض تماما قول الكواكبي : " جاء العرب بعد الإسلام و أطلقوا حرية العلم و أباحوا تناوله حتى انتقل إلى أوربا حرا " ؟؟ "فتنورت به عقول الأمم درجـــات" .
"ابن رشد" المعروف بـــ"أفيروس" يلقب في الغرب بالشارح الأكبر ، "ابن سينا " أو "أفيسينا" وهو أبو الطب ، " الخوارزمي " البارع في : الحساب ، الجمع ، التوفيق ، الأرقام الهندية ..هؤلاء الذين نتباهى بهم اليوم و بسمعتهم و نسميهم :
(الفلاسفة العرب المسلمين) تم تكفيرهم من طرف حجة الإسلام الغزالي ...؟ و هنا يقول "بيتراند راسل " : ...أن هؤلاء يدينون بسلامتهم حين كانوا يشعرون بالأمان إلى الحماية التي و جدوها -فقط-لدى بعض الأمراء المستنيرين نسبيا )
نخلص من خلال ما سبق إلى فساد مزاعم الكواكبي و غيره فيما أسموه بدور "الحضارة الإسلامية " في النهضة الأوروبية ..
أما الطريقة الثانية التي لجأت إليها هذه النخب فيما بعد في نهاية القرن 19 و بداية القرن 20 لتعزي نفسها أمام الهوة السحيقة التي تفصل بيننا و بينهم و نحن غارقون في مستنقع التخلف و غياب الوعي و الحقوق و الحريات بينما أوربا الصاعدة باضطراد في مدرج التقدم الحضاري تزداد صعودا هي و للأسف "مسألة الإعجاز العلمي " في " القرآن الكريم "
و في إطار إحترام الأديان و الكتب المقدسة أفضل هنا ترك "القرآن الكريم "و شأنه فبدلا أن يبحثوا عن حلول تنقي أنفسهم ومجتمعاتهم من المظالم و ابتكار أساليب الحوار و التحضر و العيش الكريم ....هاهم يحاولون اليوم ركوب قطار (لا يخصهم ) مستخدمين القرآن و إعجازه ..، وماذا بعد؟
الغرب يعصر دماغه و يكتشف و يخترع و نحن مضطجعون على أسرتنا نردد أن هذا الإختراع ورد في سورة "البقرة " وذاك الإكتشاف ورد في "الفيل " ؟
والسؤال المطروح : ماذا سيقولون و أوربا تمهد لثورة صناعية جديدة ؟؟؟؟