السبت، 29 ديسمبر 2012

عندما تكلّم أحدهم ...


   كان يجب أن يكون أحدهم بإحدى دول الإتحاد الأوروبي، مع سيدة في (غاية اللطف)  تُدعى زوجته،بل تشاركه واقعه و لا تُنكّد عليه ما تبقى من إحدى رئتيه .. منذ خمس سنوات تحديدا، لم يكن يجب على كاحله الذي أنكسر أن ينكسر، ولم يكن يجب على نفسه التي انكسرت أن تنكسر، ولم يكن يجب أن يهون على الناس كل هذا الهوان.. بل وربما لم يكن يجب أن يهون على نفسه إلي هذا الحد...  كان يجب أن تكون له صاحبة وسكن ووظيفة وولد، كان يجب أن يحقق تلك الأسطورة الاجتماعية بالاستقرار، بعد نفوق نصف عمره تقريبا، وبشكل معجز أيضا يختزل الزمن الذي مر عليه وكأنه لم يوجد.. وكأنه وُلد بمحطة لا تتوقف عندها القطارات... ولا تزورها المعجزات ..منذ خمس سنوات تقريبا، انفق آخر درهم يملكه، في شراء صكوك   ..ضحّــى من أجلها ذلك الولد كثيرا ...و كأنه كان غائبا أثناء تقسيم الرّزق أم أن الرزق لا يزور بقية العالم.. فعالمي وعر ومثقل بالمشاكل والطلبات والهموم،  ولأن المعجزات لم تأتي والقطارات لن تتوقف... فقد ألقى أحدهم  بنفسه من فوق القمة، بعد أن أكتشف أن الصك الأخير خالي، وأن دراهمه نفذت، ورغبته في الحياة أيضاً نفذت... حتى أنه لم يشعر بتلك القبضة الصغيرة المتماسكة التي تلتقطه قبل أن يسقط، وتضمه إلي قبضة أخرى أكثر تماسكا، وتضعه على سفح نهد صادق وطيب وحنون....   وعندما فتح عينيه بعد سنتين من السبات، كانت بجانبه، على السرير الوحيد بالغرفة، ذلك الذى هو ممدد عليه، تسقيه شراب دافئ، وتمسح بيدها البيضاء البضة حبات العرق المتدثرة ببعضها البعض فوق جبينه، ثم تعود وتمسح بها رأسه، ولأن الحليب هام لمن يولدون، فقد كانت تطعمه من حليب النهد، وربما لو كان طلب اللحم لأطعمته اللحم، ولكنه ترفق باللحم، ولأنه لم يفيق بعد، فقد شعر بأنه في خيمة، وأنها بشكل أو بآخر هي الخيمة، فأحد  قدميها وتد وإحدى يديها آخر، ولأن الوليد يرتبط بأول أم يراها، فقد أرتبط  بها كأم  ؟ ولم يعد يهتم بالتقويم، ولا بالخمس سنوات تحديدا، ولا   بالمعجزات، فهي أصبحت معجزته، وحتى عندما صارت تقف القطارات عند الخيمة، أصبح يودع سائقيها بابتسامة، وربما رحب بهم بعض الوقت، وعندما نضج قليلا، صار يحبها، ولكنه حب النساك، فتارة هي أمه، وتارة هي حبيبته، إلا أنه في النهاية أصبحت يده وتد وقدمه وتد، حتى تهدأ الخيمة وتستقر، حتى عندما تتدثر حبات العرق علي جبينها يمسحها هو، ثم يعيد مسحها على رأسها الصغير الطيب، في ذلك العالم الكبير، الذي أصبحت حدوده خارطة جسدها المدمج، ذلك الجسد الذي صارت صاحبته صاحبته، وصارت السكن والوظيفة والوتد. 


الخميس، 27 ديسمبر 2012

لم أُخبــــرها

مساء الخير يا أصدقاء
اقتربوا ..اقتربوا لعلنا نحتسي ذاكرتنا معا
أقول ..لم أُخبرها...لكن لماذا لم أُخبرها ؟
أنتِ يا ... أعيدي فنجانك ولا تقتربي ..
فأنت بالفعل قريبة
ولكن لا بأس ..اقتربي أكثر
نحتسي حاضرنا معا أُلقي عليك أمنيات .. وحكايات
تستلقين على ظهرك تارة وعلي جنبك تارة
ويشرق الكون ..من فرط فرحتك
وتخبريني من بين ضحكاتك الجميلة..
أن اكف ..
استمع إليك .. واستمتع
ولكن ..لا أكف
تغمر الدموع وجنتاك ووجهك من الضحك
أجمع كفاي وأنقذهما من (هول السقوط)
  غالية أنتِ .. غالية تماما ..
مثل دماء العذراوات
لا يمكن أن تذهب هباء
أرشف نصفها ..
وأتوضأ بالنصف الآخر
وأحفظ القطرات في خزانة أشيائي الثمينات
وأعود ..احتسي معك
حكاياتنا الجميلة
وأُربِّت على جبينك المبلل بالعرق وأجففه بكفى
وأُخبرك أنك كُنت تحلمين بصوت مرتفع
المسكينة تستيقظ وتعتدل، وتخبرنى - فقط -  من (بين دموعها) ..  أنها قتلت أحدهم .. أنظر إليها ولا اصدق وأسألها... أنت تقتلين؟! تقبض على يدى وتخرج بى  لشارع عريض تحتل الأشجارجانبيه .. ويحتل الأجانب شُرفاته وحدائقه بين رائح وصــائح  تخبرنى أنها كـــانت تعيش هنا (بقُربه)   ؟
 أنظر إليها وابتسم وأهُم بقول شيء ما، فيقاطعنى هدير قوى... أتطلع الى السماء، تطالعنى حمامات عملاقة، تُسقط بيضًا عملاقًا ، وهي تُحدق بى بغضب ونفاذ صبر، كمن تنتظر صلاتى الأخيرة، أحتضن جسدي وأسبل جفونى وأنا غير مصدق أننى كُنتُ ميتًا ، فتُقرر البيضات الإنفجار بقوة رهيبة فى آن واحد، عرفت بعدها طعم الموت، وأدركت أن الميتون، لا يشعرون... فقط تتسلل أرواحهم ببساطة قبل تلك النصف ثانية من لقاء الموت.. وأستيقظ لأجدنى سليما، وأبكي بشدة لأنني لن أراها ثانية... وكنت قد هممت أن اخبرها اننى أحبها ... ولم أُخبرها .....وهل تستحقّ ؟